الشيخ راضي آل ياسين
235
صلح الحسن ( ع )
مسلحة هوجاء ، هي كل ما يتمناه معاوية ، ويُصوِّب له ذهبه وخزائنه . ولن يطفئ النائرة يومئذ لو اتقدت جذوتها الا دم الحسن الزكي . وللثورات الجامحة أحكامها القاسية وتجنياتها التي لا تبالي في سبيل الوصول إلى أهدافها بالاشخاص مهما عظمت مكانتهم في النفوس . أَوَليست طعنة الحسن في ساباط المدائن دليلاً على ما نقول ؟ . وهل كانت الا الطعنة التي تطوعت إلى قتله عن إرادة وعمد ؟ وكان قد خرج إذ ذاك من فسطاطه يؤم مقصورة عامله على " المدائن " ليتجنب ضوضاء الناس ، وليكون هناك أقدر على اتخاذ ما يحتمله الظرف من تدبير . وهنا يقول المؤرخون ما لفظه : " وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ، ومنعوا عنه من أراده " . وفي نص آخر : " فأطافوا به ودفعوا الناس عنه " أقول : فمِمَّ كانوا يدفعون الناس عنه ؟ ومِمَّ منعوا من أراده ؟ . . أوَليس هذا كله صريحاً بأنه أصبح مهدداً على حياته ، وأن الذين خرجوا معه كمجاهدين يدافعون عنه انكشفوا - بعد قليل - عن أعداءٍ يتدافعون عليه ؟ ؟ . وهل كان انكفاؤه إلى مقصورة سعد بن مسعود ، الا ليبتعد عن المحيط المفتون الذي أصبح يستعد لثورة لا يُدرى مدى اندفاعها بالموبقات ؟ . ورأى بأم رأسه انسياح فصائله أنفسهم في مضاربه نهباً ، وفي مقامه المقدس تكفيراً وسباً ، ورأى تحاملهم المقصود على ايذائه وتدافعهم العامد على العظيم من أمره ، فعلم أنهم أصبحوا لا يطيقون رؤيته ، وأن ظهوره بشخصه بينهم هو مثار تمردهم الخبيث ، فانتقل غير بعيد ، وكانت انتقالته نفسها احدى وسائله لعلاج الموقف ، لو أنه وجد للعلاج سبيلاً . وبديهيّ أنه لم يكن أحد آخر في الدنيا كلها ، أحرص من الحسن نفسه على الفوز في قضيته ، ولا أكثر عملاً ، ولا أشد اهتماماً ، ولا أنشط حيوية ، ولا أسرع تضحية فيما تستدعيه من تضحيات .